أحمد مصطفى المراغي
70
تفسير المراغي
وكانوا تجارا مطففين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم ينقصون المكيال والميزان . إلا أن في هذا كفرانا لنعمة اللّه عليكم ، إذ كان يجب عليكم شكرانها بالزيادة على سبيل الصدقة والإحسان . ( وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ) أي وإني أخشى عليكم يوما يحيط بكم عذابه إذا أنتم أصررتم على شرككم باللّه بعبادة غيره ، وكفرتم بنعمه بنقص المكيال والميزان . وهذا العذاب إما في الدنيا بعذاب الاستئصال ، وإما في يوم القيامة . ( وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ) أي ويا قوم أتمّوهما بالعدل بلا زيادة ولا نقصان . وقد أمرهم بالواجب بعد أن نهاهم عن ضده لتأكيده وللتنبيه إلى كون عدم التعمد للنقص لا يكفى لتحرّى الحق ، بل يجب معه تحرى الإيفاء بالعدل والسوية من غير زيادة ولا نقص ، وإن كان التيقن من ذلك لا يكون إلا بزيادة طفيفة ، وتعمدها في الكيل والوزن للناس سخاء وفضيلة يمدح فاعلها عليها ، وفي الاكتيال أو الوزن عليهم طمع فهو رذيلة مذمومة . ( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) البخس : النقص في كل الأشياء ، يقال بخسه ماله وبخسه علمه وفضله ، أي لا تظلموا الناس أشياءهم ، وذلك يشمل ما للأفراد وما للجماعات من مكيل وموزون ومعدود ومحدود بحدود حسية وحقوق مادية أو معنوية . ( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) الإفساد تعطيل يشمل مصالح الدنيا وأمور الدين وأخلاق النفس وصفاتها ، وكل ذلك فاش في عصرنا أي لا تفسدوا في الأرض وأنتم تتعمدون الإفساد ، وإنما اشترط في النهى تعمد الإفساد ، لأن بعض ما هو إفساد في الظاهر قد يراد به الإصلاح أو دفع أخف الضررين كما يقع في الحرب من قطع